الشيخ محمد رشيد رضا
130
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يشمل كل ما ورد في سبب نزولها وكل ما هو في معناه ، وليس كل ما روي في أسباب النزول كان سببا حقيقيا ، بل كانوا يقولون في كل ما يدخل في معنى الآية ويشمله عمومها إنها نزلت فيه ، وكثيرا ما ينقلون كلام الرواة بمعناه فيجيء منطوقه متعارضا ، وقد بينا هذه المسألة مرارا . وأبعد ما قيل في أسباب نزول هذه الآية ان بعضهم كان يسأل النبي عن الشيء امتحانا أو استهزاء ، وهذا لا يصدر الا من كافر صريح أو منافق ، والخطاب في الآية للمؤمنين فلا يمكن ان يكون نهيا لهم عن سؤال الامتحان أو الاستهزاء ، وانما يجوز ان يكون في الآية تعريض بالكافرين والمنافقين وفي بعض روايات حديث أنس بن مالك : ان الناس سألوا نبي اللّه ( ص ) حتى أحفوه بالمسألة الخ الحديث المتقدم . وفي حديث لأبي موسى الأشعري في الصحيحين بمعناه « فلما أكثروا عليه المسألة غضب وقال : سلوني » فبعض العلماء يرى أن النهي عن السؤال في الآية لهذا الاحفاء والاغضاب الذي آذوا به الرسول ( ص ) ولكن ما شرط في النهي وما علل به ينافي ذلك والقول الجامع للروايات والمتبادر من اللغة في معنى الآية ما يأتي * * * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [ أشياء ] اسم جمع أو جمع لكلمة [ شيء ] وهي أعم الالفاظ مطلقا أو الالفاظ الدالة على الموجود ، فتشمل السؤال عن الأحكام الشرعية ، والعقائد والاسرار الخفية ، والآيات الكونية ، إذا تحقق فيما ذكر معنى الجملتين الشرطيتين ، والمقصود أولا وبالذات النهي عن سؤال الرسول ( ص ) عن أشياء من أمور الدين ودقائق التكاليف ، ويليه السؤال عن الأمور الغيبة أو الاسرار الخفية المتعلقة بالاعراض ، وغير ذلك من الأشياء التي يحتمل ان يكون اظهارها سببا للمساءة ، إما بشدة التكاليف وكثرتها ، واما بظهور حقائق تفضح أهلها . ولكن حذف مفعول « تسألوا » يدل على العموم ، أي ولا تسألوا غير الرسول عن أشياء يحتمل ان يكون إبداؤها سببا لمساءتكم ، فهي تتضمن النهي عن الفضول وما لا يعني المؤمن . ومن المقرر في قوانين العربية ان شرط « إن » مما لا يقطع بوقوعه . والجزاء تابع للشرط في الوقوع وعدمه ، فكان التعبير بقوله « إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ » دون « إذا